ابن رشد
187
تهافت التهافت
فإن قالوا : إن هذه الذات الموصوفة بهذه الصفات يلزم أن تكون جسما قيل لهم : النفس عندكم موصوفة بهذه الصفات ، وهي عندكم ليست بجسم ، وهذا هو غاية ما تنتهي إليه الأقاويل الجدلية في هذه المسألة . وأما الأقاويل البرهانية ففي كتب القدماء التي كتبوا في هذه الحكمة وبخاصة في كتب الحكيم الأول لا ما أثبته في ذلك ابن سينا وغيره ممن ينسب إلى الإسلام أن ألفي له شيء في ذلك ، فإن ما أثبتوا من هذا العلم هو من جنس الأقاويل الظنية لأنها من مقدمات عامة لا خاصة ، أي خارجة من طبيعة المفحوص عنه . وقوله : قلنا : فالصفة قد انقطع تسلسل علتها الفاعلية مع الذات ، إذ لا فاعل لها كما لا فاعل للذات ، بل لم تزل الذات بهذه الصفة موجودة فلا علة له ولا لصفته . قلت : هذا شيء لا يسلمه الخصوم ، بل يقولون : إن من شرط الفاعل الأول ألا يكون قابلا لصفة ، لأن القبول يدل على هيولى ، وذلك أنه ليس يمكن أن يقطع التسلسل بوضع فاعل بأي صفة اتفق ، بل بفاعل لا يكون له فاعل أصلا ، ولا موصوف بصفة يلزم عنها أن يكون له فاعل ، وذلك أن وضع الصفة الفاعلية الأولى تقوم بعلة قابلية هي شرط في وجودها قد يظن أنه مستحيل ، فإن كل ما له شرط في وجوده فاقترانه بالشرط هو من قبل علة غيره ، لأن الشيء لا يمكن أن يكون علة لمقارنته لشرط وجوده ، كما لا يكون علة لوجود نفسه ، لأن المشروط لا يخلو أن يكون قائما بذاته من دون اقترانه بالشرط فيحتاج إلى علة فاعلة لتركيبه مع المشروط ، إذ لا يكون الشيء علة في وجود شرط وجوده ، لكن هذه كلها أمور عامة . وبالجملة فهذه المسألة ليس يمكن أن يتصور فيها شيء يقرب من اليقين من هذه الطريقة ، وذلك لاشتراك الاسم الذي في واجب الوجود بذاته وفي الممكن من ذاته الواجب من غيره ، وفي سائر المقدمات التي تزاد عليها . المسلك الثاني : قال أبو حامد : قولهم : إن العلم والقدرة فينا ليست داخلة في ماهية ذاتنا بل كانت عارضة ، وإذا أثبت هذه الصفات للأول لم تكن أيضا داخلة في ماهية ذاته ، بل كانت عارضة بالإضافة إليه ، وإن كانت دائما فرب عارض لا يفارق أو يكون لازما لماهيته ولا يصير بذلك مقوما لذاته وإذا كان عارضا كان تابعا للذات وكان الذات سببا فيه فكان معلولا فكيف يكون واجب الوجود .